أبو علي سينا

335

الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )

على صاحبه - وربما حمله إليه والراضعة من الحيوانات - تؤثر ما ولدته على نفسها - وربما خاطرت محامية عليه - أعظم من مخاطرتها في ذات حمايتها نفسها - فإذا كانت اللذات الباطنة أعظم من الظاهرة - وإن لم تكن عقلية فما قولك في العقلية أقول العطب الهلاك ( 87 ) واقتحم أي دخل من غير رؤية - والدهم العدد الكثير - واعلم أن من المشهورات أن السعادة هي اللذة فقط - ثم إن العوام يظنون - أن اللذات هي المدركة بالحواس الظاهرة - وأما المدركة بغيرها فتارة ينكرون تحققها - وينسبونها إلى خيالات لا حقيقة لها - وتارة يستحقرونها بالقياس إلى الحسية - فنبه الشيخ في هذا الفصل على وجود لذات باطنة - هي أقوى من الحسية الظاهرة - لوجوه منها أن لذة الغلبة المتوهمة - ولو كانت في أمر خسيس - ربما يؤثر على لذات - يظن بها أقوى اللذات الحسية - ومنها أن لذة نيل الحشمة والجاه - يؤثر أيضا عليها - ومنها أن الكريم يؤثر لذة إيثار الغير على نفسه - فيما يحتاج إليه ضرورة على لذة التمتع بها - ومنها أن كبير النفس - يؤثر لذة الكرامة المتوقعة من محافظة ماء الوجه - أو من الإقدام على الأهوال - مع عدم العلم بنيلها - على اللذات الحسية إلى حد يتحمل آلام الجوع والعطش - ويقاسي أهوال الموت والهلاك معها - وهذه صغريات تنضاف إليها كبرى مشهورة - هي أن كل ما هو آثر عند شخص فهو ألذ بالقياس إليه - لأن اللذة مؤثرة والمؤثر لذيد - فتنتجان أن اللذات الباطنة مستعلية

--> اللذة أكثر كما أن العاشق إذا رأى معشوقه من مسافة أقرب يكون لذته أكثر ، وكذلك ما كان المدرك اشرف كان اللذة في ميله أعظم فان المعشوق المنظور ما كان أحسن يكون لذة رؤيته أكثر . ولما كانت القوة العقلية اشرف من القوة الحسية لأنها مجردة وهي منغمسة في المادة ، وادراكها أقوى لأنها عاقلة بذاتها وادراك القوى الحسية بالآلات ، ومدركات العقل أقوى لأنها كليات من مدركات القوى وهي الجزئيات لا جرم يكون لذة العقلية أقوى من ساير اللذات . فان قيل : نحن لا نلتذ بالمعقولات ولا نتألم بالخيالات . فلو كان اللذة العقلية أقوى وجب أن يكون التذاذنا بالمعقولات اشرف فوق ما نلتذ بالمحسوسات . وليس كذلك بل قد لا نجد لذة .